الخميس 29 يناير 2026 06:01 صـ 10 شعبان 1447 هـ
اقرأ الخبر
رئيس التحرير هبة عبد الحفيظ
×

القوة الناعمة في مواجهة الحقائق القاسية: الاتحاد الأوروبي يضع قطر أمام اختبار حقوق الإنسان في قضية بن عبد الرحمن

الأحد 25 يناير 2026 01:26 صـ 5 شعبان 1447 هـ
قطر
قطر

لم تعد القضية مجرد اتهامات متداولة في تقارير حقوقية أو شعارات ترفعها منظمات المجتمع المدني، بل تحولت إلى ملف رسمي داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. احتجاز تعسفي، تعذيب، انتهاكات جسيمة لإجراءات المحاكمة العادلة، وحكم بالإعدام — هذه هي العناصر التي تشكل جوهر قضية طيب بن عبد الرحمن، والتي باتت اليوم موضع تدقيق دولي متزايد.

في قلب هذه القضية يقف رجل واحد، لكن تداعياتها تتجاوز مصيره الفردي، لتصل إلى صميم العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وقطر، وتضع الخطاب الأوروبي حول حقوق الإنسان أمام اختبار حقيقي للمصداقية.

اعتراف أوروبي رسمي

في يناير/كانون الثاني 2026، ردّت المفوضية الأوروبية على سؤال كتابي تقدّم به عدد من أعضاء البرلمان الأوروبي بشأن قضية بن عبد الرحمن، مؤكدة أن نتائج فريق العمل التابع للأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي قد «أُخذت على محمل الجد». هذا الاعتراف لا يمكن التقليل من شأنه؛ فهو يقرّ رسميًا بأن القضية تندرج ضمن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، وليست مجرد مسألة قنصلية أو نزاع قانوني داخلي.

وقد خلص خبراء الأمم المتحدة إلى وجود احتجاز تعسفي، وسوء معاملة، وغياب لضمانات المحاكمة العادلة، ما يجعل القضية نموذجًا صارخًا لانتهاك الحقوق الأساسية. وبمجرد تبني الاتحاد الأوروبي لهذه الاستنتاجات في وثيقة رسمية، انتقل ملف بن عبد الرحمن إلى صدارة أجندة حقوق الإنسان الأوروبية.

دبلوماسية حذرة… ورسالة واضحة

أوضحت المفوضية أنها أعربت عن قلقها إزاء نتائج التحقيق الأممي، وأنها منخرطة بشكل مباشر مع السلطات القطرية عبر بعثتها في الدوحة، وبالتنسيق مع السلطات الفرنسية. ورغم الطابع الدبلوماسي الحذر لهذا الخطاب، إلا أن رسالته السياسية لا تخطئها العين: الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ليست صكًا مفتوحًا لتجاهل الالتزامات الدولية.

عندما يُتَّهم شريك استراتيجي بالاحتجاز التعسفي والتعذيب، يصبح التذكير العلني بالقانون الدولي ضرورة سياسية، لا مجرد مجاملة دبلوماسية. فحقوق الإنسان ليست قائمة انتقائية، ولا يحق لأي دولة أن تختار منها ما يناسب صورتها الدولية وتتجاهل الباقي.

تصدّع صورة القوة الناعمة

تسلّط قضية بن عبد الرحمن الضوء على تناقض جوهري في السياسة القطرية. فبينما تستثمر الدوحة بكثافة في بناء صورة عالمية تقوم على الحداثة، والرياضة، والدبلوماسية الناعمة، تكشف هذه القضية عن واقع مغاير، تُهمَّش فيه حقوق الأفراد، وتُعاد صياغة الإجراءات القضائية بما يخدم اعتبارات سياسية.

ومن خلال طرح القضية داخل البرلمان الأوروبي، يوجّه الاتحاد الأوروبي تحديًا مباشرًا لهذه الازدواجية، ويفضح الفجوة بين الخطاب الدعائي القطري وسجلها الفعلي في مجال حقوق الإنسان.

التزامات معلنة واختبار فعلي

تشير المفوضية الأوروبية إلى أن انخراط الاتحاد مع قطر ودول مجلس التعاون الخليجي يستند إلى مبادئ واضحة، تشمل حقوق الإنسان، وسيادة القانون، ومكافحة الفساد. وقد جرى التأكيد على هذه المبادئ في مناسبات عدة، أبرزها أول قمة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في بروكسل عام 2024، إضافة إلى المشاركة المشتركة في المنتديات الدولية المعنية بالشفافية والمساءلة.

غير أن هذه الالتزامات تصبح بلا قيمة فعلية إذا ما استمرت أنماط موثقة من الاحتجاز التعسفي والمحاكمات غير العادلة دون عواقب حقيقية.

اختبار للإرادة الدولية

إن اعتراف الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي بقضية طيب بن عبد الرحمن يحوّلها من مأساة فردية إلى اختبار حاسم للإرادة الدولية. فإذا قوبلت الانتهاكات الموثقة بمجرد بيانات قلق، فإن مصداقية الخطاب الحقوقي الدولي تتآكل. أما إذا رافق هذا الاعتراف ضغط دبلوماسي مستدام، وإجراءات ملموسة للمساءلة، فإن القضية قد تشكل سابقة تفرض تغييرًا حقيقيًا.

https://www.europarl.europa.eu/doceo/document/E-10-2025-004114-ASW_EN.html

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت الانتهاكات قد جرى الاعتراف بها — فقد حدث ذلك بالفعل. السؤال الجوهري هو: هل سيتحوّل هذا الاعتراف إلى فعل سياسي وقانوني يفرض العدالة والمحاسبة؟

بالنسبة لقطر، لم يعد هناك متسع للاختباء خلف القوة الناعمة. فالمساءلة باتت مطروحة، والأنظار الدولية مفتوحة، والاختبار قائم.

https://www.facebook.com/share/1AD3QK8PPP/?mibextid=wwXIfr